الأمن القضائي ومسار بناء دولة الحق والقانون
الأمن القضائي ومسار بناء دولة الحق والقانون شكل بناء دولة الحق والقانون مفهوما مركزيا في الخطاب السياسي المغربي وهدفا حثت على تحقيقه مجموعة من الخطب الملكية ، وتبعا لذلك تم تحديث الترسانة القانونية وإحداث مجموعة من المؤسسات ارتبطت بالأساس مع الخطاب الملكي لثامن ماي 1990 الداعي الى احداث المحاكم الادارية والمجلس الاستشاري لحقوق الانسان . ومنذ هذا التاريخ عرف المغرب تطورا تشريعيا ومؤسساتيا ملحوظا لا يتردد الباحث بمناسبة تتبع هذا التطور في القول بأن المغرب يسعى فعلا الى أن يؤسس لدولة الحق والقانون وتكريسها . ونظرا للترابط الوثيق بين جهاز القضاء ودوره في بناء دولة الحق والقانون[1] ، بين جهاز القضاء وضمان ممارسة الحقوق والحريات وحمايتها ، بين جهاز القضاء وجودة النص التشريعي ، فإننا نتساءل عن مفهوم الامن القضائي وعلاقته بمسار بناء دولة الحق والقانون ،هذا المفهوم الذي تم التنصيص عليه دستوريا بمقتضى الفصل 117 الذي نص على أنه :<< يتولى القاضي حماية حقوق الاشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون >> الظاهر من هذا النص هو أن مسؤولية تحقيق الأمن القضائي تقع على عاتق القاضي لفائدة الاشخاص والجماعات . وهي مهمة يتولاها القاضي إلى جانب حماية حقوق الاشخاص والجماعات وتطبيق القانون . مفهوم الامن القضائي في ارتباطه بالقضاة وبجهاز القضاء يمكن أن يحيل إلى دور القضاء بمختلف مكوناته مدنيا دستوريا ، اداريا ، جنائيا وتجاريا إلى إقرار الحق وضمان التطبيق السليم للنصوص القانونية ، وإلى جودة العمل القضائي التي تنطلق من تدبير القضايا والبت فيها الى تنفيذها والمساهمة في خلق القاعدة القانونية . غير أننا نعتبر أن الامن القضائي لا تنحصر حمايته على القاضي لكونه أوسع وأشمل لاقترانه بمسار دولة الحق والقانون ، وبذلك فهذا المفهوم يحيل ليس فقط الى الحماية القضائية للحقوق والحريات والتطبيق السليم للنصوص القانونية ، وانما أيضا الى حماية القضاة أنفسهم والى الضمانات التي تمكنهم من أداء المهام المنوطة بهم باستقلال وتجرد ونزاهة ، يحيل مفهوم الامن القضائي أيضا الى الظروف الممكنة من الولوج الى حق التقاضي وتبسيط مساطره ، وإلى محيط القضاء وما يرتبط به من ثقة في جهاز القضاء وهيبة لأحكامه . وعلى هذا الاساس تتضح العلاقة الوثيقة بين تحقيق الامن القضائي ومسار بناء دولة الحق والقانون . المبحث الأول : تجليات الأمن القضائي المرتبطة بالسلطة القضائية الأمن القضائي وإن كان يكتسي صعوبة على مستوى تعريفه ، فإنه بالمقابل يبدو واضحا على مختلف المستويات المرتبطة بإصدار الأحكام والبت في القضايا انطلاقا من جهاز السلطة القضائية إلى محيطها . وهكذا فمفهوم الأمن القضائي على مستوى السلطة القضائية تجسده تلك الضمانات التي تحيط بالقاضي وهو يؤدي مهمته ، إنها مختلف الضمانات التي تشعر القاضي والمتقاضي بالأمن والتي وردت بالتشريعات الدولية والوطنية . إن استقلال السلطة القضائية يعد احد ابرز الضمانات المجسدة للأمن القضائي ،استقلال يؤدي الى احساس المتقاضين بالأمن القضائي ، والى احساس القضاة انفسهم غير انه بالنسبة للقضاء يظل هذا الاحساس معلقا بعدم وقوع القضاة بخطأ قضائي . الفقرة الأولى : استقلال السلطة القضائية نظرا لأهمية مبدأ استقلالية السلطة القضائية فقد نصت عليه مجموعة من الاتفاقات والمواثيق الدولية[2] حيث نصت المادة العاشرة مثلا من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 على أنه :<< لكل انسان على قدم المساواة أن تنظر في قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفا وعلنيا ، للفصل في حقوقه والتزاماته في أية تهمة جنائية توجه إليه.>> أهمية المبادئ والمرجعية الدولية في استقلالية السلطة القضائية تكمن في كون المغرب في تصدير دستور سنة 2011 يؤكد على تشبت المملكة المغربية بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا ، كما أنه جعل من الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب ، وفي نطاق احكام الدستور ، وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها ، على التشريعات الوطنية ، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة . انسجاما وهذه المقتضيات تضمن دستور 2011 مقتضيات مهمة تتعلق باستقلال السلطة القضائية حيث نجد بالباب السابع منه ما يمكن اعتباره ضمانات مؤسسة لاستقلال القضاة والسلطة القضائية ، والتزامات عليهم تجسيدا لهذا الاستقلال. ففيما يخص الضمانات فإنها تتمثل فيما يلي : السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية ؛ عدم تلقي القضاة لأي أمر أو تعليمات ولا يخضعون لأية ضغوط ؛ معاقبة كل من حاول التأثير على استقلالية القاضي ؛ المجلس الاعلى للسلطة القضائية هو من يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة ، ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم ؛ المقررات المتعلقة بالوضعية الفردية الصادرة عن المجلس الاعلى للسلطة القضائية قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة أمام أعلى هيئة قضائية ادارية بالمملكة؛ رئاسة النيابة العامة من الوكيل العام لمحكمة النقض. أما ما يتعلق بالتزامات القضاة في تحقيق استقلال السلطة القضائية فتتمثل فيما يلي : يلتزم القاضي بواجب الاستقلال والتجرد ، ويعد كل اخلال خطأ مهنيا جسيما ، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة ؛ يسعى القضاة الى تحقيق المحاكمة العادلة ؛ الالتزام بواجب التحفظ والاخلاقيات القضائية ؛ يمنع على القضاة الانخراط في الاحزاب السياسية والمنظمات النقابية ؛ وبصفة عامة يتولى القضاة حماية حقوق الاشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون؛ على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون ، كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها. ان استقلالية السلطة القضائية شكلت محورا مهما أثناء الحوار الوطني حول اصلاح منظومة العدالة ، جزء من هذه النقاشات تمت ترجمتها الى مواد قانونية بمشروع القانون التنظيمي للنظام الاساسي للقضاة والذي نصت منه المادة 34 على أنه:<< طبقا للفصل 117 من الدستور يجب على كل قاض أن يسهر خلال مزاولة مهامه القضائية على حماية حقوق الاشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون.>> كما ان مشروع القانون التنظيمي للسلطة القضائية أكد بدوره على استقلالية السلطة القضائية من خلال عدة مقتضيات منها : تأكيد المبدأ الدستوري المنصوص عليه في الفصل 107 من الدستور المغربي على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، والملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية ؛ يمارس المجلس الاعلى للسلطة القضائية مهامه بصفة مستقلة ؛ يتمتع المجلس الاعلى للسلطة القضائية بالاستقلال الاداري والمالي ؛ لم يبق وزير بالعدل هو الرئيس المنتدب للمجلس الاعلى للسلطة القضائية ، بل أصبح هو الرئيس الاول لمحكمة النقض ؛ يمنع على أعضاء المجلس اتخاذ أي موقف أو القيام بأي عمل يمكن أن يمس بتجردهم واستقلال المجلس ؛ يسهر المجلس الاعلى للسلطة القضائية على تعزيز استقلالية القضاة وحمايتهم من أي تأثير أو ضغوطات ؛ من حق القضاة الطعن في المقررات المتعلقة


